ابراهيم بن عمر البقاعي
89
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الأرض . أي تجمع الحشيش ، وقيل : هو من سرعة مرها ، وفيه مع كثرة الجمع للخطى بتقاربها معنى الحدة ، ومنه حش الفرس : أسرع ، ومن الإشراف على الفساد : الحش - بالفتح وهو النخل الناقص القصير ليس بمسقي ولا معمور ، والحشاشة : رمق النفس ، يقال : ما بقي من فلان إلا حشاشة أي رمق يسير يحيي به ، وعبارة القاموس ، والحشاش والحشاشة : بقية الروح في المريض والجريح ، فهذا بين في الإشراف على الفساد كما تقدم ، وهو أيضا من الفرقة التي قد تلزم الجمع ومنه تحشحشوا أي تفرقوا ، ومنه قلة الاستحشاش ، وهو قلة القوم ، ومن الحدة الناشئة عن القوة الناشئة : عن الجمع حششت النار أي أوقدتها وجمعت الحطب إليها ، وكل ما قوي بشيء فقد حش به ، والمحش : حديدة يوقد بها النار أي تحرك ، والشجاع ، قال القزاز ، وهو محش حرب - إذا كان يسعرها بشجاعته ، وحش فلان الحرب - إذا هيجها ، ومنه تحشحشوا أي تحركوا ، ومن مطلق الحدة : أحششته عن حاجته : أعجلته عنها ، ومن الجمع والقوة : حش سهمه بالقذذ - إذا راشه فألزقها من نواحيه ، وحشاشاك أن تفعل كذا أي قصاراك أي نهاية جمعك لكل ما تقوى به ، وحشاشا كل شيء : جانباه ، والحشة - بالضم : القبة العظيمة ، لكثرة جمعها وقوة تراصّها . ولما وصفهم سبحانه بهذه الدنايا . أخبر بأن أساسها وأصلها الذي نشأت عنه عدم الوثوق باللّه لعدم الإيمان فقال : أُولئِكَ أي البغضاء البعداء الذين محط أمرهم الدنيا و لَمْ يُؤْمِنُوا أي لم يوجد منهم إيمان بقلوبهم وإن أقرت به ألسنتهم . ولما كان العمل لا يصح بدون الإيمان ، سبب عن ذلك قوله : فَأَحْبَطَ اللَّهُ أي بجلاله وتفرده في كبريائه وكماله أَعْمالَهُمْ أي أبطل أرواحها ، فصارت أجسادا لا أرواح لها ، فلا نفع لهم بشيء منها لأنها كانت في الدنيا صورا مجردة عن الأرواح التي هي القصود الصالحة ، فإنهم لا قصد لهم بها إلا التوصل إلى الأعراض الدنيوية ، وهذا إعلام بأن من كانت الدنيا أكبر همه فهو غير مؤمن ، وأنه يكون خوارا عند الهزاهز ، ميالا إلى دنايا الشجايا والغرائز . ولما كان من عمل عملا لم يقدر غيره وإن كان أعظم منه أن يبطل نفعه به إلا بعسر شديد ، قال تعالى : وَكانَ ذلِكَ أي الإحباط العظيم مع ما لهم من الجرأة في الطلب والإلحاف عند السؤال وقلة الأدب عَلَى اللَّهِ بما له من صفات العظمة التي تخشع لها الأصوات ، وتخرس الألسن الذربات يَسِيراً * لأنه لا نفع إلا منه وهو الواحد القهار ، وأما غيره فإنما عسر عليه ذلك ، لأن النفع من غيره - وإن كان منه حقيقة - قهره غيره بالشفاعات ووجوه النكد أو غيرها عليه ، وكأنهم لما ذهب استمروا خاضعين